الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

324

مختصر الامثل

قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 137 ) هذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ( 138 ) النظر في تاريخ الماضين وآثارهم : يعتبر القرآن الكريم ربط الماضي بالحاضر والحاضر بالماضي أمراً ضرورياً لفهم الحقائق ، لأنّ الارتباط بين هذين الزمانين ( الماضي والحاضر ) يكشف عن مسؤولية الأجيال القادمة ، ويوقفها على واجبها ، ولهذا قال سبحانه : « قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ » . وهذا يعني أنّ للَّه‌في الأمم سنناً لا تختص بهم ، بل هي قوانين وسنن عامة في الحياة تجري على الحاضرين كما جرت على الماضين سواء بسواء ، وهي سنن للتقدم والبقاء وسنن للتدهور والإندحار ، التقدم للمؤمنين المجاهدين المتحدين الواعين ، والتدهور والإندحار للُامم المتفرقة المتشتتة الكافرة الغارقة في الذنوب والآثام . ولهذا نجد القرآن الكريم يدعو المسلمين إلى السير في الأرض والنظر بإمعان وتدبر في آثار الأمم والشعوب التي سادت ثم بادت إذ يقول : « فَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذّبِينَ » . ولما كان التعليم الإلهي العظيم - رغم كونه موجهاً إلى عامة المخاطبين - لا ينتفع به ولا يستلهمه إلّاالمتقون قال سبحانه تعقيباً على الآية السابقة : « هذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ » . أجل ، إنّ المتقين الهادفين هم الذين يتعظون بهذه الأمور لأنّهم يبحثون عن كل ما يعمق روح التقوى في نفوسهم ، ويزيد بصيرتهم بالحق . وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 139 ) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 140 ) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ( 141 ) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( 142 ) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 143 )